يحيى بن معاذ الرازي
82
جواهر التصوف
كلتا الحالتين متعلقا بربه ذاكرا له . . 2 - من كان قلبه مشغولا بالله لا يريم يذكره . . حتى في الأعمال المباحة يستطيع أن يضع لها نوايا طيبة تحولها إلى عبادة . . وقالوا : بالنوايا تتحول العادات إلى عبادات . . فالأكل يكون عبادة إذا نوى المرء به حفظ بنيان اللّه ، ونية أخرى الإعانة على القيام بالطاعات ، حتى إتيانه النساء ، يقول الفاروق عمر بن الخطاب رضى اللّه تعالى عنه : « إني آتى النساء ، وليس لي بهن حاجة إلا أن أرزق بذرية يباهى بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الأمم يوم القيامة . . » وقد سئل الشبلي : ما الورع ؟ فقال : أن تتورع ألا يشتت قلبك عن اللّه عز وجل طرفة عين . . * * * 113 - « الورع من ثلاث خصال : عزّ النّفس ، صحّة اليقين ، وتوقّع الموت » . [ الحلية : 10 / 68 ] . * عز النفس : لما ركبت النفس في الجسم برغباته صارت أمّارة بالسّوء ، تطلب الشرور وتقوى عليها ، وإن مكنتها مما تشوفت إليه بطرت وتشهت المزيد ، تحب الفوضى وتكره القيود ، وما تدرى أنها بذلك تنزلق نحو هوّة الندم والذل . . ولو تدبرت النفس شأنها لعرفت أن عزّها في مرضاة ربها ، وأن خضوعها لشرع باريها فيه فلاحها ونجاحمها ، وللّه درّ القائل : لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم * ولا سراة إذا جهّالهم سادوا * قال تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [ الشمس : 7 - 10 ] ، ولا تزكو النفس إلا باتباعها لمنهج اللّه ، فهو خالقها وأعلم بما يصلحها وما يفسدها قال تعالى : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الملك : 14 ] . . ويتم تزكيتها بمخالفة هواها شيئا فشيئا حتى ترتضى الفضائل وتهجر القبائح وترتقى عن كونها أمّارة بالسوء إلى لوّامة تقبل على الطاعات ، وإذا أخطأت أو فكرت في مخالفة سارعت إلى لوم نفسها واستغفرت ربها ؛ يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : أهين لهم نفسي لكي يكرمونها * ولن تكرم النّفس التي لا تهينها وقال إبراهيم الخوّاص : صبرت على بعض الأذى خوف كلّه * ودافعت عن نفسي لنفسي فعزّت وجرّعتها المكروه حتى تدربت * ولو جرعته جملة لاشمأزّت ألا رب ذلّ ساق للنفس عزّة * ويا ربّ نفس بالتّذلّل عزّت